مناقشة ثرية على ضفاف البحر الميت

بقلم نعمت شفيق

كنت هذا الأسبوع في الأردن لحضور اجتماع غني بالأفكار عقده المنتدى الاقتصادي العالمي* عن الوظائف والنمو في الشرق الأوسط. وقد شاركت مع جلالة الملكة رانيا في جلسة نقاش حول توظيف العمالة، ويسرني إطلاعكم على بعض الأفكار التي تولدت في سياق هذه المناقشة وفي الاجتماع بشكل أعم. كان الجو العام حذرا ومتفائلا في نفس الوقت ـ فكان حذرا بسبب تزايد احتمالات تأثر المنطقة بالهبوط الاقتصادي الذي أصاب الاقتصادات المتقدمة (وخاصة أوروبا)، ومتفائلا بالنظر إلى المكاسب السياسية التي تحققت مؤخرا في كل من ليبيا وتونس على وجه الخصوص.

وقد خرجت من الاجتماع بنتائج كان أهمها (وأكثرها مدعاة للتفاؤل) هو أنني رأيت الحاضرين من الشباب الغني بالفكر المبدع والمشبع بروح ريادة الأعمال (الإقدام على المخاطرة) وقد تجاوز عددهم في هذا المنتدى الإقليمي ما كان عليه في أي وقت سابق ـ وهو ما يعكس إدراكا متزايدا لدورهم الآني في الربيع العربي ودورهم المستقبلي كقوة محركة للتغيير الاقتصادي.

ولا يزال توفير الوظائف للشباب والعدد المتزايد من سكان المنطقة هو القضية المهيمنة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. وهنا في البحر الميت*، كل ما يشغل أذهان الجميع هو الوظائف ثم الوظائف ثم الوظائف. ومن الواضح، أن هناك تنازعاً بين الآمال الكبار في مستقبل أفضل على المدى الأطول والشعور بنفاد الصبر والإحباط تجاه المصاعب والتحديات على المدى القصير.

الحاجة إلى تحسين مناخ الأعمال

ولتعزيز النمو في المنطقة، يجب تهيئة مناخ أفضل لممارسة الأعمال والتجارة بما يساعد على إيجاد فرص العمل المطلوبة. فيتعين أن تجعل الحكومات توفير الوظائف على رأس أولويات سياساتها، وذلك بإزالة العقبات أمام إتاحة فرص العمل، ومنها القواعد التنظيمية المفرطة في التقييد. ومن الضروري أيضا تهيئة مناخ اقتصادي مستقر يسمح للقطاع الخاص بأن ينمو وينشئ الفرص الاقتصادية، وخاصة للشباب. ويلاحَظ أن حوالي ربع الشباب العربي عاطل عن العمل، بل إن الرقم أعلى في حالة المرأة، وهو ما يكلف المنطقة حوالي 15 مليار دولار.

وفي معظم الأحوال، نجد أن القواعد التنظيمية المرهقة، ومنها قواعد العمل المتشددة، وتكاليف العمالة المفرطة ـ مثل الحد الأدنى للأجور الذي يفوق مستوى الإنتاجية، ومدفوعات إنهاء الخدمة الكبيرة ـ والضرائب المرتفعة، كلها يزيد من تكلفة مزاولة الأعمال في الاقتصاد الرسمي لدى العديد من بلدان المنطقة، ومن ثم يدفع الشركات تجاه القطاع غير الرسمي حيث تستطيع تجنب هذه التكاليف. ومنذ قام محمد بوعزيزي، البائع التونسي المتجول، بإشعال النار في نفسه في ذلك اليوم المصيري من شهر ديسمبر الماضي، احتجاجا على المصادرة التعسفية لبضاعته، أبرزت المظاهرات ارتفاع معدل البطالة، والزيادات الكبيرة في أسعار الغذاء، وعدم المساواة في توزيع الموارد الاقتصادية بما أسفر عن إعاقة النمو في بعض أنحاء المنطقة وأدى إلى تصاعد موجة السخط العام.

وليس من المستحيل تحويل الشرق الأوسط وشمال إفريقيا إلى منطقة أكثر جذبا لأنشطة الأعمال. بل إن هناك قصص نجاح عديدة تحققت داخل المنطقة ذاتها.

وقد أنشأ عدد من البلدان “قرى ذكية” أو “مدنا تعليمية” يجد فيها أصحاب المشروعات بنية تحتية حديثة ويخضعون لقواعد تنظيمية مبسطة وضرائب منخفضة. وأنشأت بلدان أخرى قاعدة للخدمات مثل المراكز السياحية ومراكز الخدمة الهاتفية. وفي بعض الحالات، نجحت هذه التحسينات أيضا في جذب الاستثمار الأجنبي المباشر من الشركات العالمية، بما في ذلك الشركات العاملة في قطاعات التكنولوجيا الفائقة مثل تكنولوجيا المعلومات والطيران. وكل هذه الشركات أنشأت أعمالا تمكنت من إضافة وظائف جديدة بشكل مباشر أو غير مباشر.

إنما يتعين القيام بجهد أكبر حتى تعم المنافع على نطاق أوسع، وتزداد فرص التدريب، ويتحقق كبح الفساد، وتتاح الحوافز الصحيحة.

قواعد أكثر عدالة

وفي السنوات السابقة على الربيع العربي، تنامى الشعور بعدم العدالة في بيئة الأعمال، وبأنها مصممة لصالح قلة محظوظة. وتحتاج المنطقة، حتى تنجح، إلى رؤية لا تكون حكرا على أصحاب المصالح. وينبغي إصلاح المؤسسات العامة حتى تصبح فعالة ومشجعة للأعمال. وينبغي ترويض الفساد من خلال فرض قواعد الإشراف التي تكفل درجة أكبر من المساءلة لجميع الأطراف.

كذلك تحتاج المنطقة إلى التركيز على تحسين الحوكمة الاقتصادية. وينبغي أن يتضمن أي جدول أعمال لتحقيق هذا الهدف تقوية المؤسسات العامة، سواء المعنية بالمالية العامة أو القطاع المالي؛ وتحديث المؤسسات التنظيمية لتحسين مناخ الأعمال وإتاحة المنافسة العادلة لكل المشاركين من القطاع الخاص؛ وتحسين توصيل الحماية الاجتماعية وتوسيع نطاق تغطيتها وتعزيز كفاءة تكلفتها؛ وتحسين المعلومات والإحصاءات من حيث الجودة والنشر.

وتستطيع الحكومات إيجاد حيز أكبر للإنفاق في موازناتها العامة بأن تعمل على تعزيز كفاءة الدعم. وكما أشرنا من قبل، أفضل وسيلة للقيام بذلك هو تخفيض الدعم المعمم ـ الذي يفيد الأغنياء بشكل غير متكافئ ـ واستخدام شبكات الأمان الاجتماعي التي تتوخى الدقة في استهداف المستحقين بحيث تحل محل الدعم المعمم وتوفر الحماية اللازمة لأفقر شرائح السكان.

النفاذ إلى الأسواق

ومن الملاحَظ أن التجارة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لا تزال أقل بكثير من مستواها الممكن. وأحد تفسيرات هذا الانخفاض هو أن السياسات التجارية في بعض هذه البلدان تعد من السياسات الأكثر تقييدا في العالم. وتزيد التعريفات الجمركية في كثير من بلدان المنطقة على التعريفات المطبقة في آسيا الصاعدة بمقدار الضعف تقريبا.

ورغم القرب الجغرافي من أوروبا، فهناك بلدان مثل مصر والأردن والمغرب وتونس لا تزال متأخرة عن الركب في تحقيق الاندماج التجاري معها. وتواجه هذه البلدان مشكلات كبيرة فيما يتعلق بالنفاذ إلى الأسواق الأوروبية، مما أضعف أداء التصدير وأسفر عن تباطؤ النمو. وتستطيع هذه البلدان توثيق الروابط مع شركاء التجارة الجدد في الأسواق الصاعدة ذات النمو السريع.

ويسرنا تلقي أي تعليقات من القراء في الشرق الأوسط، وخاصة من رواد المشروعات فيها. نرجو أن تطلعونا على آرائكم بشأن المسار المستقبلي والأمور التي يجب أن تتصدر الأولويات. في انتظار أفكاركم.

* بالانجليزية

نرحب بتعليقاتكم

*